محمد حسين هيكل
151
حياة محمد ( ص )
إلا على نفسه . وأن اللّه على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره . وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم . وأن من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم ، وأن اللّه جار لمن برّ واتقى » . هذه هي الوثيقة السياسية التي وضعها محمد منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة ، والتي تقرر حرية العقيدة وحرية الرأي وحرمة المدينة وحرمة الحياة وحرمة المال وتحريم الجريمة . وهي فتح جديد في الحياة السياسية والحياة المدنية في عالم يومئذ ؛ هذا العالم الذي كانت تعبث به يد الاستبداد ، وتعيث فيه يد الظلم فسادا . ولئن لم يشترك في توقيع هذه الوثيقة من اليهود بنو قريظة وبنو النّضير وبنو قينقاع ، إنهم ما لبثوا بعد قليل أن وقعوا بينهم وبين النبي صحفا مثلها . وكذلك أصبحت المدينة وما وراءها حرما لأهلها ؛ عليهم أن ينضحوا عنها ويدفعوا كل عادية عليها ، وأن يتكافلوا فيما بينهم لاحترام ما قررت هذه الوثيقة فيها من الحقوق ومن صور الحرية . زواج النبي من عائشة طاب محمد نفسا بهذه النتيجة ، وسكن المسلمون إلى دينهم ، وجعلوا يقيمون فرائضه مجتمعين ويقيمونها فرادى ، لا يخافون أذى ولا يخشون فتنة . إذ ذاك بنى محمد بعائشة بنت أبي بكر ، وكانت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمرها ، وكانت فتاة رقيقة حلوة القسمات محبّبة العشرة ، وكانت تخطو دراكا من الطفولة إلى الصبا ، وكانت ذات ولع باللعب والمرح ، وكانت نامية نموّا حسنا . ووجدت في محمد أول انتقالها إليه بمسكنها إلى جانب مسكن سودة في جوار المسجد أبّا برّا عطوفا ، وزوجا مشفقا رفيقا ، لا يأبى عليها أن تعبث وتلهو بألاعيبها ؛ وتسليه بذلك عن دائم تفكيره في العبء العظيم الذي ألقي عليه ، وفي سياسة يثرب التي بدأ يوجهها إلى خير وجهة . الأذان للصلاة في هذه الفترة التي سكن فيها المسلمون إلى دينهم فرضت الزكاة وفرض الصيام وقامت الحدود ، وتمكنت بيثرب شوكة الإسلام . وكان محمد حين قدم المدينة إنما يجتمع إليه الناس للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة ؛ ففكر في أن يدعو للصلاة ببوق كالبوق الذي يدعو به اليهود لصلاتهم . لكنه كره البوق فأمر بالناقوس ، فنحت ليضرب به للصلاة ، كما تفعل النصارى . على أنه بعد مشورة عمر وطائفة من المسلمين على رواية ، وبأمر اللّه على لسان الوحي في رواية أخرى ، عدل عن الناقوس أيضا إلى الأذان ، وقال عبد اللّه بن زيد بن ثعلبة : « قم مع بلال فألقها عليه - أي صيغة الأذان - فليؤذّن بها فإنه أندى صوتا منك » . وكان لامرأة من بني النجار منزل إلى جانب المسجد أعلى منه ، فكان بلال يرقاه فيؤذن عليه . وكذلك صار أهل يثرب جميعا يسمعون منذ الفجر في كل يوم دعوة إلى الإسلام مرتلة ترتيلا حسنا بصوت رطب جميل يوجهها بلال مع كل ريح إلى كل النواحي ، ويلقي في أذن الحياة نداءه : « اللّه أكبر اللّه أكبر . ، أشهد أن لا إله إلا اللّه . أشهد أن محمدا رسول اللّه . حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح . اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه » . وكذلك انقلبت مخاوف المسلمين أمنا ، وأصبحت يثرب مدينة الرسول ، وأصبح غير المسلمين من أهلها يشعرون بقوة المسلمين قوة منبعثة من أعماق قلوب عرفت التضحية في سبيل الإيمان وذاقت الأذى بسببه ألوانا ، وهاهي ذي اليوم تجني ثمرة الصبر ، وتستمتع من حرية العقيدة بما قرر الإسلام من أن ليس لإنسان على إنسان سيادة ، ومن أن الدين للّه وحده ، والعبودية له وحده ، والناس أمام وجهه الأكرم سواسية ، لا يجزون إلا بأعمالهم وبالنية التي تصدر هذه الأعمال عنها ، وانفسح المجال أمام محمد ليعلن تعاليمه ، وليكون بذاته وبتصرفاته المثل الأسمى لهذه التعاليم ، وليصبح بذلك حجر الأساس للحضارة الإسلامية .